أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
116
التوحيد
وتقريرها مع ارتفاع السواتر كلها فيدرك به حقيقة المدرك ، أو الاختلاط ، فعلى تفاوت ذلك يتفاوت الدّرك ، وكل ذلك حق الحسّ معلوم بالحسّ ، فلم يرد في علم الحسّ اختلاف البتة في الحقيقة ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم تكلف نوع ما كلم النّظام السّمنية مما لا يجدي نفعا ، فزعم أن الحيتان كان الغلبة في طبائعها الرطوبة والبرودة ، فإذا صارت إلى الجدب ، والغالب عليه الحرارة واليبوسة غلبتا على الرطوبة والنّدوة فأهلكا . وكذلك كل متضادين من الطبائع إذا غلب واحد ضده أهلكه . وكذلك أمر الطائر في السماء وكلب الماء فإنه أشد اعتدالا من الحوت ، يعيش في الماء والبر ، والخفاش فإن بصره مسترقة ليست بالقوية ، يذهبه ضوء الشمس ، نحو ما يعشى الرجل إذا نظر إلى عين الشمس ، فإذا غابت الشمس ذهب ما أضعف بصره فأبصر ، فإذا اشتدت الظلمة لا يبصر . وأما الأسد فهو قوي البصر ، يبصر بالنهار ، وأكثر ما يبصر غيره ، وكذلك المانع له بالليل أقل مما يمنع غيره . قال أبو منصور رحمه اللّه : وذلك كله عبث ، بل القول إنه كذلك خلق ، وبهذا الطبع جبل : بعض الجواهر يطير في السماء ، وآخر يسبح في الماء ، والثالث يمشي على وجه الأرض ، فتكلّف الاعتدال لمثل هذا تحكّم على رب العالمين ، واعتلال بما لم يؤذن له ، ولا له به درك ، وليس ذلك من نوع ما ضمن الشرع فيه من تحقيق الأعيان ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم عارض نفسه بما يرى النائم ، فيخرج على ما يرى ، فلعل أمر اليقظان على هذا ، أو ما يعلم ذا من ذا ، فزعم أن الذي يفرّق بين الأمرين أنه يرى ما لا يصح في العقل في حال النوم ، نحو أن يرى نفسه ميتا ، والميت لا يعلم أو يرى رأسه ملقى في حجره ، ومثله لا يحتمل رؤية اليقظان . فإن قيل : كيف يتوهم النائم المحال ، وهو لا يثبت في الوهم ؟ قيل : عندما يرى نفسه في المنام لا يعتقدها حية ميتة ، وذلك هو المحال ، وكذلك إذا رأى رأسه ملقى لا يتوهمه في مكانين . وزعم أن العلم بصحة ما في اليقظة وفساد ما في النوم اكتساب ، دليله ما ذكرت ، قال : وقد يرى في المنام ما يصحّ ، ذلك إنما بملك يريه أو بما ذلك في الأصحاء أو بعض ذلك . قال الفقيه رحمه اللّه : والأصل في هذا ما في الأول : إن النائم ذو آفة يعرفها بما يعلم به يقظته ، وذلك حق الحسّ ، إنه يرى في النوم مضطرا ، وفي اليقظة لا ، وكذلك يبقى ألم ما يضرب في حال اليقظة ، ويعرف لذة ما به يغتذي ، وليس بيننا وبين هؤلاء في هذه الأحوال مسألة ، إنما بيننا إلزام حق اليقظة وتحقيقه بضرورة بما ذكرنا ، ثم تغيّر ذلك ؛ إنما ذلك للآفات التي تعترض . وجملته أن الطبيعة أو النجوم أو الأغذية لا